الموت: تأملٌ في الحقيقة المطلقة
مقدمة ما من حقيقةٍ يُجمع عليها البشر على اختلاف مللهم ونحلهم كحقيقة الموت، ومع ذلك يبقى أكثرها استعصاءً على الفهم…
مقدمة
ما من حقيقةٍ يُجمع عليها البشر على اختلاف مللهم ونحلهم كحقيقة الموت، ومع ذلك يبقى أكثرها استعصاءً على الفهم وأشدّها إثارةً للخوف. نتجنب الحديث عنه، ونحيط ذكره بصمتٍ مهيب، وكأن تناسيه يؤجّله أو يدفعه عنّا. وفي هذا النص محاولةٌ لمقاربة الموت من زواياه المختلفة: من زاوية المقبل عليه، ومن زاوية الميت نفسه، ومن زاوية من يبقى بعده مفجوعًا بفقده — لعلّ في فهمه ما يخفف من رهبته، أو يكشف عن المعنى الذي تمنحه الحياة حين نتأمل نهايتها.
أولًا: المقبل على الموت
حتى نفهم الموت يجب أن نراه من ثلاث زوايا: وجهة نظر المقبل على الموت، والميت نفسه، ثم من يبقى قريبًا ممن يموت.
فالمقبل على الموت قد يرى فيه خلاصًا له من التعب و المرض، أو ينظر إلى الحياة على أنها مجرد صورة فانية لا تستحق التعلق بها، وقد يكون الموت بالنسبة له نهاية قصته في الحياة فيكون هو الصمت. والموت للمقبل عليه يصعب تصوّره وبناء نصٍّ وصفيٍّ عنه، إذ لا يتذكر الإنسان حين موته إلا ما كان أحبَّ إليه في حياته. يقشعرّ الجسد عند تأمل هذه الفكرة؛ فتخيّل المرء نفسه مقبلًا على الموت أمرٌ قد يصيبه بالخوف، حتى لو كان معافًى لا يعاني من أي مرض. وقد ورد في معنى الحديث الشريف وصف الموت بأنه “هادم اللذات”، أي إنه حين يُذكر ترحل جميع اللذات وتصبح الشهوات دون معنى.
والموت قد يكون عند البعض أمرًا يصعب تقبّله، لكنه حقيقة جازمة لا مفرّ منها. وبما أن الجميع مقبلون عليه — رغم احتماء الإنسان بالتناسي، أو تعليقه الآمال والأوهام بأن الموت قد ينساه إذا تناساه — فإنه لا بد منه؛ فمهما طال العمر فإلى انتهاء. والموت لا يميّز بين السليم والضعيف، ولا بين المعمَّر وحديث الولادة؛ فالكلّ مقبل عليه، مدبر عن الحياة. الموت هو نهاية الحياة، والحياة هي التي تعطي للموت معنى، إذ تتضح معاني كثير من الأشياء بأضدادها.
ثانيًا: الموت عند الميت
أما الموت عند الميت، فلا يُعلم عنه إلا ما أخبرت به الأديان. ففي الدين الإسلامي ينتظر الموتى الحساب، إما في نعيم وإما في عذاب. وعند غيره تختلف الأقوال؛ فبعضها يرى الموت تناسخًا، أي انتقال الروح من جسد إلى آخر، وقولٌ آخر يرى الميت سمادًا للأرض ونهاية جسدٍ فقط. تتعدد الأقاويل، والحقيقة الواحدة التي يعلمها الأحياء أن قصة الحي قد انتهت، وأن الجسد المادي قد تلاشى تحت الأرض أو احترق بالنار أو غير ذلك، فلم يعد يحجز حيزًا مكانيًّا بيننا. ومن ثَمَّ فالموت إما انتقالٌ إلى وجود آخر، أو انتقال إلى دورة جديدة من الوجود، أو نهاية للوعي الفردي. أما من الناحية المعرفية البحتة، فلا يوجد حتى اليوم دليل علمي حاسم يثبت ما يحدث للوعي بعد الموت؛ لذلك يبقى الأمر مجالًا للإيمان أو التأمل الفلسفي أكثر من كونه معرفة تجريبية مؤكدة.
ثالثًا: المفجوعون — تجربة الفقد ومراحل الحداد
قد يرى البعض أن المقبل على الموت أكثر تألمًا ومعاناةً من القريب الذي يبقى بعده، وهذا صحيحٌ في حالةٍ واحدة: حين يعاني الميت قبل موته، وحين تضعف المشاعر والتعاطف بينه وبين من حوله. أما في غير ذلك، فإن معاناة المفجوع قد تفوق معاناة الراحل.
ويمرّ المفجوع — وكذلك المقبل على الموت في حالة المرض — بثلاث مراحل:
مرحلة الإنكار، وهي أمرٌ فطري في الإنسان، إذ يتعلق غالب الناس بالحياة ومتاعها فيرفضون تصديق ما يجري.
ثم مرحلة الغضب، حيث يجد الإنسان نفسه — بعد معركةٍ خاسرة مع الإنكار — متجهًا إلى ساحة الغضب، يفرّغ غضبه بأشكال مختلفة على من حوله؛ قد يكون ردُّ الفعل بادياً كقولٍ بلا تحفظ، وقد يكون صمتًا ونحيبًا. وهذه المرحلة، من بلغها ولم يتحكم فيها، قد تؤذيه، بل قد تصل به إلى حدّ إيذاء النفس عن وعي أو غير وعي. فإذا اجتمع ضعف الثبات مع مشاعر فيّاضة نحو الراحل، آل الأمر أحيانًا إلى فقدان الثبات العقلي أو الجسدي. معاناة المفجوع كمعانات الولادة، غير أن الولادة تكون نهايتها الفرح في حالات العادية، أما هنا فلا مكان إلا للحزن. وكما لا يتضح معنى الموت إلا بتذكّر الحياة، فإننا لا نفهم قيمته إلا بتذكّر الولادة؛ فرغم التضاد، تمنح كلٌّ منهما الأخرى معناها.
ثم مرحلة التقبّل، فإذا تجاوز المفجوع ساحة الغضب — وخرج منها سالمًا بين الأحياء والعقلاء — اتجه مباشرةً إلى طريق التقبّل، ثم محاولة النسيان. وهو طريقٌ طويلٌ متفرّع، فيه نوافذ تطلّ على الماضي تجعل المرء ينظر إلى نفسه في مرحلة الإنكار وساحة الغضب. وما قد يجعل الإنسان يكمل طريقه هو نسيان بعض تلك الأمور وتقبّلها.
البعد الاجتماعي والحضاري للموت
ليس الموت تجربةً فرديةً محضة، بل هو حدثٌ جماعيّ تنسج حوله المجتمعات طقوسها ورموزها. فالإنسان، منذ أن وعى فناءه، لم يترك موتاه للعدم، بل أحاطهم بالدفن والرثاء والذكرى. تُخبرنا القبور المنظَّمة منذ فجر الحضارة أن دفن الموتى كان من أولى علامات الإنسانية، وأن العناية بالميت كانت تعبيرًا عن إيمانٍ بأن للموت معنىً يتجاوز التحلل المادي.
وتتباين طقوس الموت بين الثقافات تباينًا يكشف عن نظرة كل مجتمعٍ إلى الحياة ذاتها: فمن المجتمعات من يجعل من الجنازة مأتمًا صامتًا مهيبًا، ومنها من يحوّلها إلى احتفالٍ يودّع الراحل بالموسيقى لا بالنحيب. ومن الأديان ما يحرق الجسد إيمانًا بتحرّر الروح، ومنها ما يصونه في الأرض انتظارًا للبعث. وفي كل حالة، تعمل هذه الطقوس وظيفةً واحدة: مواساة الأحياء، وتنظيم الحزن، ومنح الفقد إطارًا يُحتمَل.
هكذا يصبح الموت مرآةً للحضارة: في كيفية تشييعنا لموتانا تتجلى قيمنا، وفي ذاكرتنا لهم يتجلى معنى بقائنا.
خاتمة
ما يأخذنا إلى المنظور الديني والفلسفي معًا أن الفجيعة والحزن في حدّ ذاتهما أمرٌ طبيعيٌّ ومحمود، إلا أنه لا ينبغي للأحياء أن يشغلوا أنفسهم بالموتى حتى يقطعهم ذلك عن حياتهم. فالواجب تقبّل الأمر، والاستمرار في الحياة مع الحفاظ على ذكرى الراحل. ولعلّ هذا هو الدرس الأعمق الذي يهبه لنا الموت: أنه إذ يذكّرنا بنهايتنا، يدعونا إلى أن نحيا حياةً أكثر وعيًا ومعنى، فالحياة هي التي تعطي للموت قيمته، والموت هو الذي يكشف للحياة عن ثمنها.
توثيق الحديث: ما ورد في النص بلفظ “هادم اللذات” هو إشارةٌ إلى الحديث الذي رواه الترمذي والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في معناه: «أكثروا ذكر هاذم اللذات» — يعني الموت. والحديث حسّنه عددٌ من أهل العلم. وقد آثرتُ إيراده بصيغة المعنى لا اللفظ الحرفي، توخّيًا للدقة في النقل.